عبد الرحمن بن ناصر السعدي

509

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

لك ويخضعوا . * ( وألق ما في يمينك ) * أي : عصاك * ( تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) * أي : كيدهم ومكرهم ، ليس بمثمر لهم ، ولا ناجح فإنه من كيد السحرة ، الذين يموهون على الناس ، ويلبسون الباطل ويخيلون أنهم على الحق ، فألقى موسى عصاه ، فتلقفت ما صنعوا كله ، وأكلته ، والناس ينظرون لذلك الصنيع . فعلم السحرة علما يقينا ، أن هذا ليس بسحر ، وأنه من الله ، فبادروا للإيمان . * ( فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ) * برب العالمين ، * ( رب موسى وهارون ) * ، فوقع الحق وظهر وسطع ، وبطل السحر والمكر والكيد ، في ذلك المجمع العظيم . فصارت بينة ورحمة للمؤمنين ، وحجة على المعاندين ف * ( قال ) * فرعون للسحرة : * ( آمنتم له قبل أن آذن لكم ) * أي : كيف أقدمتم على الإيمان من دون مراجعة مني ولا إذن ؟ استغرب ذلك منهم ، لأدبهم معه ، وذلهم ، وانقيادهم له في كل أمر من أمورهم ، وجعل هذا من ذاك . ثم استلج فرعون في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان ، واستخف بقوله قومه ، وأظهر لهم أن هذه الغلبة من موسى للسحرة ، ليس لأن الذي معه الحق ، بل لأنه تمالأ هو والسحرة ، ومكروا ، ودبروا أن يخرجوا فرعون وقومه من بلادهم ، فقبل قومه هذا المكر منه ، وظنوه صدقا * ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) * . مع أن هذه المقالة التي قالها ، لا تدخل عقل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة بالواقع ، فإن موسى ، أتى من مدين وحيدا ، وحين أتى لم يجتمع بأحد من السحرة ولا غيرهم ، بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه ، وأراهم الآيات ، فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى ، فسعى ما أمكنه ، وأرسل في مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم . فجاؤوا إليه ، ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة ، وهم حرصوا غاية الحرص ، وكادوا أشد الكيد ، على غلبتهم لموسى ، وكان منهم ما كان ، فهل يمكن ، أن يتصور مع هذا ، أن يكونوا دبروا ، هم وموسى ، واتفقوا على ما صدر ؟ هذا من أمحل المحال . ثم توعد فرعون السحرة فقال : * ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ) * كما يفعل بالمحارب الساعي بالفساد ، يقطع يده اليمنى ، ورجله اليسرى . * ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) * أي : لأجل أن تشهروا وتختزوا . * ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) * يعني بزعمه هو وأمته ، وأنه أشد عذابا من الله ، وأبقى قلبا للحقائق ، وترهيبا لمن لا عقل له . ولهذا لما عرف السحرة الحق ، ورزقهم الله من العقل ، ما يدركون به الحقائق ، أجابوا بقولهم : * ( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) * الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده ، المعظم المبجل وحده ، وأن ما سواه باطل ، ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا . هذا لا يكون * ( فاقض ما أنت قاض ) * مما أوعدتنا به ، من القطع ، والصلب ، والعذاب . * ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) * أي : إنما توعدنا به ، غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا ، ينقضي ويزول ولا يضرنا ، بخلاف عذاب الله ، لمن استمر على كفره ، فإنه دائم عظيم . وهذا كأنه جواب منهم لقوله : * ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) * ، وفي هذا الكلام ، من السحرة ، دليل على أنه ينبغي للعاقل ، أن يوازن بين لذات الدنيا ، ولذات الآخرة ، وبين عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة . * ( إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ) * أي : كفرنا ومعاصينا ، فإن الإيمان مكفر للسيئات ، والتوبة تجب ما قبلها . وقولهم : * ( وما أكرهتنا عليه من السحر ) * الذي عارضنا به الحق ، هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم ، وإنما أكرههم فرعون إكراها . والظاهر والله أعلم أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله : * ( ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ) * أثر معهم ، ووقع منهم موقعا كبيرا ، ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة ، ثم إن فرعون ألزمهم ذلك ، وأكرمهم على المكر الذي أجروه ، ولهذا تكلموا بكلامه السابق ، قبل إتيانهم ، حيث قالوا : * ( إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ) * فجروا على ما سنه لهم ، وأكرههم عليه . ولعل هذه النكتة ، التي قامت بقلوبهم ، من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم ، ما فعلوا على وجه الإغماض ، هي التي أثرت معهم ، ورحمهم الله بسببها ، ووفقهم للإيمان والتوبة ، والله خير مما أوعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه ، وأبقى ثوابا وإحسانا لا ما يقول فرعون * ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) * يريد أنه أشد عذابا وأبقى وجميع ما أتى من قصص موسى مع فرعون ، يذكر الله فيه إذا أتى على قصة السحرة ، أن فرعون توعدهم بالقطع والصلب ، ولم يذكر أنه فعل ذلك ، ولم يأت في ذلك حديث صحيح ، والجزم بوقوعه ، أو عدمه ، يتوقف على الدليل ، والله أعلم بذلك وغيره . * ( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأول ئك لهم الدرجات العلى * جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ) * يخبر تعالى أن من أتاه وقدم عليه مجرما أي : وصفه الجرم من كل وجه ، وذلك يستلزم الكفر واستمر على ذلك حتى مات ، فإن له نار جهنم ، الشديد نكالها ، العظيمة أغلالها ، البعيد قعرها ، الأليم حرها وقرها ، التي فيها من العقاب ، ما يذيب